ابناء قطاع غزّة المقيمون على الأرض الأردنية معاناة دائمة في التعليم والصحّة والعمل

 

gj 1

موضوع منح جواز السفر المؤقت لأبناء قطاع غزة المقيمين في الأردن منذ عام 1967 ليس بالموضوع الجديد، ولم تكن التصريحات التي أطلقها رئيس الوزراء الأردني فيصل الفايز حول وجود النية لدى حكومته لمنح الفلسطينيين من قطاع غزة جوازات سفر مؤقتة لتضيف جديداً. فرغم أن وسائل الاعلام المختلفة انبرت بسرعة البرق لتناول هذه التصريحات بالتأويل والتحليل الذي تجاوز كثيراً إطار وحدود النوايا الحكومية أو الأبعاد الواقعية لما ذكره رئيس الوزراء الأردني الجديد، لم يلمس أبناء قطاع غزة المقيمين في الأردن أي تفاعل حقيقي يمكّنهم من التغلب على مصاعب الحياة ويسهّل سبل العيش الكريم أمامهم.
يعيشون في الأردن حياة عادية ويقومون بدفع كل الضرائب المستحقة عليهم من رسوم الجامعة وضريبة المسقفات وضريبة المبيعات وغيرها من أنواع الضرائب، ولكنهم يعاملون عند مراجعة أي دائرة رسمية معاملة الأجنبي. فهم لا يستطيعون التملك أو العمل أو حتى استصدار شهادة ميلاد أو وفاة أو زواج ولا يستطيعون السفر والبحث عن فرص العمل، وبداية معاناتهم أنهم لا يحملون بطاقة هوية ولا دفتر عائلة ولا يصرف لهم رقمٌ وطنيٌ أو رخصة قيادة، مما يضطرهم لحمل جواز سفرهم باستمرار لعدم وجود وثيقة أخرى. والكارثة التي يعيشها قطاع واسع وكبير منهم أن الدوائر الأمنية ترفض تجديد هذا الجواز لأسباب في معظمها غير كافية لمثل هذا الإجراء، كالاشتباه بعلاقة المعني بحزب مرخص له مقره وجمهوره أو لعضويته في ناد رياضي أو عمل تطوعي يمارسه كل المواطنين، وعندئذ يصبح هذا الشخص بلا هوية على الاطلاق.
من المهم أولاً وقبل كل شيء أن يكون واضحاً أن الحديث يدور حول شريحة من أبناء قطاع غزة دخلو الأردن بُعيد حرب حزيران/يونيو 1967، وأقاموا على أرض الأردن إقامة دائمة. وهذه الشريحة التي يسكن معظمها في مخيم يسمى (مخيم غزة) قرب مدينة جرش تتلخص قضيتها –كما جاء على لسانهم في المذكرة التي رفعوها إلى أعضاء مجلسي النواب والأعيان- بحل إنساني يحفظ حقوقهم وفق ما ينسجم مع مصالح الدولة الأردنية وبما يتوافق مع ثوابت الشعب الفلسطيني، إزاء الحق في العودة إلى الوطن وليس منحهم الجنسية والمواطنة الأردنية. وشتان بين الجنسية وجواز السفر الذي يمكن منحه لمساعدتهم على الحياة، وهم يمثّلون نخبة صالحة يتفانون في أعمالهم رغم كل الظروف الصعبة التي صبروا عليها وتحملوها.

مشكلة التعليم
بداية لم تكن ثمة مشكلة بالنسبة لأبناء قطاع غزة المقيمين في الأردن فيما يتعلق بالقبول في الجامعات الأردنية، حيث كانوا يُشملون ضمن قوائم التنافس باعتبار مصدر شهاداتهم الثانوية هي وزارة التربية والتعليم الأردنية، غير أنه في العام 1986 تم حرمانهم من التنافس مع أقرانهم من الأردنيين على المقاعد الجامعية، وربط قبولهم في الجامعات بالسفارة الفلسطينية ضمن المقاعد المخصصة لأبناء الضفة الغربية وقطاع غزة والمغتربين الفلسطينيين في الخارج. وحيث أن فرص أبناء قطاع غزة المقيمين في الأردن في الدراسة بالخارج محدودة جداً بطبيعة الحال، وبذلك فإنهم مضطرون للتنافس على مقاعد محدودة جداً. وهذا أدى لأن لا يحصل أبناء غزة الذين تتجاوز معدلاتهم الـ90% في الثانوية على أي مقعد في أي جامعة حكومية.
ولا تتوقف المشكلة عند هذا الحد، فالطالب من أبناء غزة الذي لا يحصل على مقعد عن طريق السفارة، يمكنه التقدم من خلال البرنامج الدولي والذي يتطلب رسوماً مرتفعة تقترب من رسوم الجامعات الخاصة. وتزداد المشكلة تعقيداً حينما يكون الطلب المقدم لدراسة الماجستير والدكتوراه، فحتى إذا ما تم قبول الطلب من خلال السفارة، فإن الرسوم تكون مضاعفة، ومن لم يحظ بقبول عن طريق سفارة فلسطين، فيمكنه تحصيل قبول عن طريق البرنامج الدولي والذي يعني مضاعفة ثالثة للرسوم الجامعية.

مشكلة العمل
البطالة بالنسبة لأبناء غزة المقيمين في الأردن معضلة تزداد كلما تقدم الوقت حيث تضيق الأبواب أمام طالبي العمل، وتتقلص الفرص وتزداد الشروط خصوصاً بعد اصدار قانون العمل الأخير، حيث لم يتم التفريق في تطبيق هذا القانون بين العمالة العربية وأبناء غزة المقيمين على الأرض الأردنية إقامة دائمة، مما نتج عنه مضاعفات عديدة في زيادة المعاناة. فالمعلمون الذين كانوا يعملون في القطاع الحكومي وبعضهم لنحو عشرين عاماً في الخدمة تم إبقاء عملهم على أساس العقود السنوية مؤقتاً. ولعل عمال الزراعة الذين تم تسريحهم جميعاً من الخدمة في غمضة عين ودون مراجعة من أحد لأنهم لا يحملون رقماً وطنياً، مثلوا المشلكة الأكثر إنسانية، ذلك أن عشرات العوائل فقدت مصدر رزقها ولم تنفع المراجعات الكثيرة، ولا التدخلات من هنا وهناك.
أما الحاصلون على شهادات الصيدلة أو المختبرات وغيرها، فإنهم لا يمنحون شهادة مزاولة مهنة، الأمر الذي يعني تجميد شهاداتهم وحرمانهم من العمل حتى في القطاع الخاص. وحملة شهادات الطب والمحاماة ليسوا بأفضل حالاً من سابقيهم. ورغم أنه لايسمح لأبناء قطاع غزة المقيمين في الأردن بالعمل في الوزارات والمؤسسات الحكومية على العموم، امتد التضييق نحو دائرة الأعمال المسموح لهم ممارستها في القطاع الخاص، ومن بين ذلك استثناؤهم من العمل في قطاع التعليم الخاص والقطاع الفندقي والسياحي وقطاع النقل العام وجميع المهن التي تحتاج إلى مزاولة مهنة من الوزارة المعنية، بل أن الدوائر الأمنية تدخلت في طلبات توظيف وكالة الغوث وحرمت العديد منهم من الحصول على عمل في الوكالة. وفيما يتعلق برخص المحلات التجارية أو تراخيص تأسيس الشركات والمؤسسات فقد حرم أبناء غزة المقيمين في الأردن منها إلا ضمن قوانين تشجيع الاستثمار للمستثمرين الأجانب والتي تشترط رؤوس أموال باهظة جداً.

جوازات السفر
منحت الحكومة الأردنية أبناء قطاع غزة المقيمين في الأردن إقامة دائمة جوازات سفر مؤقتة عام 1987 لتسهيل معاملاتهم وسفرهم، وهذه الجوازات لا تعني الجنسية، إلا أن قائمة الاستثناءات من منح الجوازات المؤقتة اتسعت بشكل كبير وزادت أعداد المحرومين من امتلاك هذه الجوازات ولأسباب مختلفة. كما أنه تزايدت في السنوات الأخيرة عمليات رفض تجديد هذه الجوازت، الأمر الذي أوجد شريحة واسعة من أبناء غزة ممن لا يحملون أية وثيقة إثبات رسمية سارية المفعول. ولهذا الأمر تبعات كثيرة، ليس على صعيد الحرمان من السفر فحسب، بل تصل لعدم القدرة على فتح حساب بنكي أو صرف شيك، أو تقديم طلب عمل للقطاع الخاص، أو تسجيل الأبناء في المدارس، أو تسجيل الملكية للشخص على الرغم من أن تملّك أبناء غزة مقيّد في القانون ويحتاج إلى إجراءات وروتين معقد.

معاناة طبية مستمرة
غياب الحدود الفاصلة بين ما هو إنساني وما هو سياسي فاقم هذه الأوضاع. ذلك أنه كانت نتيجة ذلك أيضاً التمييز في معالجة مرضى أبناء قطاع غزة في المستشفيات الحكومية، وحرمان أصحاب الأمراض المستعصية كالسرطان والقلب والكلى وغير ذلك من الإعفاءات الحكومية اللازمة أسوة بإخوانهم الأردنيين لمتابعة علاجهم، حيث يتعذر عليهم تلقي العلاج المناسب مما يتسبب بآلام وأوضاع صحية صعبة.
الملف شائك والمطلوب نظرة منصفة لأوضاع أبناء قطاع غزة المقيمين في الأردن، فمعاناتهم من الوضوح بحيث لا تحتاج لزيادة وإن كان هناك قصص كثيرة تمثل شاهداً على أوضاع أبناء غزة بالأردن، ولكن أربعين عاماً من المعاناة أكثر من كافية، ليس لمنحهم المواطنة الأردنية، ولكن معاملتهم في النواحي الإنسانية.

Advertisements