حملة الجوازات المؤقتة والحقوق المكتسبة

  • د. أنيس فوزي قاسم*

539027_613678618685144_1848924292_nقبل وصول العاصفة الثلجية بأيام، ثارت عاصفة من نوع آخر، أحيطت بلغط كبير وغموض اكبر. يبدو ان العاصفة غير الثلجية بدأت حين طرح موضوع حاملي الجوازات المؤقتة من الضفة الغربية وقطاع غزة من حيث ضرورة حصولهم على تصريح عمل، وإٍذن إقامة وذلك في سياق طلبهم صرف مستحقاتهم من مؤسسة الضمان الاجتماعي. ففي 10/1/2016، ورد في بعض الصحف انه اعتباراً من مطلع العام الحالي يجب على حملة الجوازات المؤقتة استصدار تصاريح عمل ودفع رسوم هذه التصاريح، وصدر بعد ذلك قرار من رئاسة الوزراء بتاريخ 6/1/2016، يقضي بالموافقة على تنسيب وزير العمل القاضي باستصدار التصاريح، وتم تعميم هذا القرار على مديريات العمل في المملكة.
وفي 11/1/2016، ورد في بعض الصحف ان مجلس الوزراء انقلب على قراره السابق، وقرر إعفاء حملة جوازات السفر الأردنية المؤقتة بمن فيهم ابناء قطاع غزة من دفع رسوم استصدار تصاريح عمل، وأكدّ ذلك دولة رئيس الوزراء في مداخلة له في مجلس النواب. وظلّ السؤال معلقاً حول هل الاعفاء مقتصر على دفع رسوم التصريح ام استصدار التصريح ابتداء؟ وجواباً على استفسارات صحفية، أجاب امين عام وزارة العمل، ان الاعفاء يشمل دفع الرسم، ويظل الالتزام باستصدار تصريح عمل لهذه الفئة من العاملين قائماً حسب متطلبات قانون العمل رقم 8/1996 وتعديلاته، وجاءت اقوال الامين العام موافقة لما ورد على لسان رئيس الوزراء امام مجلس النواب.
وإذ تصدى بعض الصحفيين الأردنيين البارزين لانتقاد هذه التطورات الجديدة في وقت يعيش فيه الأقليم ازمات حارقة، وأكدوا ان حملة الجوازات المؤقتة بمن فيهم اهالي قطاع غزة لا تنطبق عليهم مواصفات العمالة الوافدة أصلاً، ولم يسبق وأن طولب هؤلاء باستصدار تصريح عمل او الحصول على اقامة (جمانة غنيمات، الغد، 12/1/2016، فهد الخيطان، الغد، 11/1/2016)، تصدى الصحفي بسام بدارين (القدس العربي، 22/1/2016)، لهذا التصرف وقال إنه كان تحت انطباع ان الحكومة قامت بفرض استصدار التصاريح ودفع رسومها وفرض الإقامة ورسومها بقصد “الجباية”، الاّ انه تبين له ان المسأله تناقش تحت بند “السيادة”، وأشار الى رسالة قوية وجهها وزير الداخلية الى مجلس النواب يرفض فيها الوزير استثناء حملة الجوازات المؤقتة من تصريح العمل وإذن الاقامة، وان الامر يتعلق بالسيادة وصلاحيته كوزير ولا يسمح الوزير لأي لجنة من الاقتراب من صلاحياته.
وهكذا تحوّل الأمر من اجراء اداري بيروقراطي محض الى أمر له علاقة بالسيادة.
ثم دخل مجلس النواب على الخط، حيث طرحت مشاريع تعديلات لكل من قانون العمل وقانون الاقامة وشؤون الاجانب، ونوقشت هذه التعديلات على نطاق واسع، ومؤدى هذه التعديلات المقترحة ان يتم استثناء “حملة الجوازات المؤقتة من ابناء قطاع غزه والضفة الغربية” من الحصول على تصريح عمل. وشهدت جلسة مجلس النواب تاريخ 19/1/2016، مناقشات واسعة بين مختلف النواب وأدلت لجنة شؤون فلسطين في المجلس بدلوها. وهذا الاستثناء المقترح كان المقصود به تعديل المادة (12) من قانون العمل والتي تعالج موضوع استخدام العمال غير الاردنيين. اما بالنسبة لقانون الاقامة، فقد نقل عن وزير الداخلية الذي حضر جلسة مجلس النواب قوله: “قانون الاقامة ليس قانوناً للعمل، وأبناء قطاع غزه هم ابناؤنا وحصلوا على مكارم الهاشميين ومنها جواز السفر، وان من اخطر الامور ان ينص على استثناء جنسية معينة في القانون من اذن الاقامة، فهذا الأمر يمس سيادة الدولة.” ويلاحظ ان خطاب الوزير اصبح اكثر ليونة من خطابه السابق.
وأخيراً يبدو ان وزير الداخلية قد حسم الجدل الثائر في اوساط الادارة واوساط مجلس النواب بتصريح نقل عنه بتاريخ 24/1/2016، قال فيه إن ابناء قطاع غزة وحاملي الجوازات المؤقتة لا يحتاجون للحصول على اذن اقامة وفقاً لقانون الاقامة وشؤون الاجانب، وأشار الى ان التعديلات المطروحة للنقاش في مجلس النواب لن تغيّر شيئاً من هذا الوضع على الاطلاق. ومن جانبه اكد وزير العمل ان حملة الجواز المؤقت معفيون من كامل رسوم التصاريح السابقة ولن يتم استيفاء اي رسوم تصاريح عمل في المستقبل.
وبهذين التصريحين المهمين، يغلق باب القلق والتوتر الذي لحق بحملة الجوازات المؤقتة، وهم ليسوا بحاجة الى قلق مضاف الى قلقهم الأصلي.
وللإيضاح، فإن مكونات هذه الفئة من الناس تتشكل من فريقين، الاول، كان اردنياً وجرّد من جنسيته بقرار حكومي استند الى تعليمات صدرت في العام 1988 على نحو مخالف للدستور وقانون الجنسية الاردني لعام 1954، ومازالت هذه التعليمات الحكومية غير منشورة ولا معلومة، الاّ أن الحكومة الاردنية تمنحهم جوازات سفر مؤقتة لتسهيل حركتهم، والفريق الثاني يتكون من اهالي غزة الذين لجأوا الى الأردن سواء من لاجئي العام 1948 أو نازحي العام 1967. وقد حصل معظم افراد هذا الفريق على جوازات سفر اردنية مؤقتة، ومارسوا العمل وحصلوا على الاقامة في الاردن على نحو اعتيادي ودون عوائق تثير القلق والتوتر. وفجأة أصبحت مسألة هذه الفئة من حملة الجوازات المؤقتة مسألة ساخنة وطفت على السطح بسرعة لأنها تمسّ حياة ما يقرب من مليون انسان حسب بعض التقديرات.
وإغلاقاً لإمكانية اعادة فتح هذا الملف ثانية، فإن القانون الأردني يقدم حماية لهذه الفئة من حملة الجوازات المؤقتة سيما وان هذه الفئة لا تنطبق عليها مواصفات “العمالة الوافدة”، فهم لم يأتوا إلى الاردن بحثاً عن عمل، وبالتالي فإن شرط “ان يحصل العامل غير الأردني على تصريح عمل من الوزير.. قبل استقدامه او استخدامه” لا يمكن ان يرد على ابن قطاع غزة او ابن الضفة الغربية (قانون العمل، الماده 12/ب)، ولا يمكن تطبيق الشرط الوارد في المادة (12/و) من قانون العمل من حيث ان لوزير العمل الحق في ان “يصدر… قراراً بتسفير العامل المخالف..”. فإلى أين يمكن للوزير تسفيره؟ لا شك ان الشكر سوف يزجى للوزير لو تمكن من اعادة هذا العامل المخالف إلى قطاع غزة او الى الضفة الغربية، إلاّ انه ليس بامكان الوزير ذلك على ضوء احكام معاهدة وادي عربة. وبالمناسبة، فإن هناك من يطالب باعادة اهالي غزة الى قطاع غزة بمقولة ان القطاع محرر، ويمكن دخول القطاع عن طريق معبر رفح. هذه اقوال لا اساس لها من الصحة لا في الواقع ولا في القانون، ومايزال القطاع محتلاً ارضاً وجواً وبحراً.
أما بالنسبة لقانون الاقامة وشؤون الاجانب، فانه يغطي حالة لا تمت الى وضع حملة الجوازات المؤقتة بصلة حتى لو اريد ليّ عنق القانون لتطبيقه على هؤلاء. اذ تنص الماده (11) على ان ” كل اجنبي يرغب في البقاء في المملكة اكثر من اسبوعين ان يتقدم” الى احدى فروع مديرية الامن العام لتقديم بعض البيانات للدائرة. فماذا جرى لهذه الفئة من حملة الوثائق بعد مرور الأسبوعين؟ ونعلم جميعاً ان الغالبية العظمى من هذه الفئة قد ولدت في الاردن او قدمت الى الاردن منذ عقود، فكيف يمكن تطبيق هذا النص؟ وهل يمكن تطبيق نصوص احكام الماده (18) من ذات القانون على حامل الجواز المؤقت، الذي عليه “ان يغادر اراضي المملكة الاردنية عند انتهاء مدة اذن الاقامة..” لا شك ان حامل الجواز المؤقت يرغب في العودة الى وطنه واهله، فهل هذا متاح او قابل للتطبيق ومعاهدة وادي عربة تقف له بالمرصاد؟ وهل يمكن إلزامه على مغادرة الاردن دون وجود دولة اخرى تستقبله؟
ومن الثابت والمستقر في المعاملات التي جرى عليها حين من الدهر ان حملة الجواز المؤقت وأبناء قطاع غزه لا يستصدرون اذونات عمل، ولا يتقدمون للحصول على إذن اقامة. فقد لجأوا الى الاردن بسبب العدوان الصهيوني الذي قام بعمليات التطهير العرقي في فلسطين، ووجدوا انفسهم في الاردن الى ان يقضي الله أمراً كان مقضياً. وعبر السنوات المديدة التي اقاموا فيها وتزاوجوا وتناسلوا، استقرّ العمل بينهم وبين الدوائر الحكومية على اعتبارهم ذوي اوضاع خاصة وعلاقه خاصة مع الاردن، ولاسيما اهالي قطاع غزة، وبالتالي اكتسبوا “حقوقاً ” اصبح من غير القانوني او منطق العدالة المساس بها بعد هذا التراخي الزمني الطويل. وقد اعترف القانون الاردني بمبدأ “الحقوق المكتسبة”، والذي أكدت عليه محكمة التمييز الاردنية والمحكمة الدستورية وديوان تفسير القوانين. وقاعدة “الحقوق المكتسبة” تجد اصلها في المادة (93) من الدستور الاردني والتي حرّمت – من حيث المبدأ – رجعية القوانين، بمعنى ان صدور قانون جديد يصبح نافذاً على المسائل التي تقع بعد صدوره، ولا يجوز تطبيق أحكامه على مسائل وقعت قبله، الاّ اذا نص على خلاف ذلك. وبهذا يرسي الدستور قاعدة مؤداها انه اذا اكتسب شخص حقاً في ظل قانون قديم فلا يجوز للقانون الجديد المساس بذلك الحق باعتبار انه “حق مكتسب.” وتجدر الإشارة الى ان التعديل الدستوري الصادر في العام 2011 قد جاء بمبدأ في غاية الاهمية وهو ما نصت عليه المادة (128) المعدلة من انه “لايجوز ان تؤثر القوانين التي تصدر.. لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق او تمس أساسياتها”. وتشكل هذه المادة شبكة أمان واسعة ضد التعسف وصوناً لحقوق الإنسان.
وفي ذلك قالت محكمة التمييز “وحيث ان عقد التأمين موضوع هذه الدعوى قد أبرم في ظل سريان احكام نظام التأمين رقم 29 لسنة 1985 وتحددت حقوق اطراف العقد وفقاً لأحكام هذا النظام واصبح لاطراف العقد وللغير الذي يتعرض للضرر حقوق مكتسبة وفقاً لهذا النظام، فان هذا النظام هو الذي يطبق على العقد وعلى الحادث موضوع الدعوى.” وفي قرار آخر، قالت المحكمة “ان للشركة الحرية في تعديل انظمتها ما لم تكن ماسّة بالحقوق المكتسبة.” مما يعني عدم جواز المساس بها. وفي قرار تفسيري للمحكمة الدستورية اكدت على ذلك المبدأ بقولها ان لمجلس الامة ان يرفض القوانين المؤقتة ويعلن مجلس الوزراء بموافقة الملك بطلان هذه القوانين ويزول اثرها “على ان لا يؤثر ذلك في العقود والحقوق المكتسبة”. وتمسّك ديوان التفسير في قراره رقم 12 لسنة 2001 بمبدأ الحقوق المكتسبة كذلك. ولا بدّ اخيراً من الاشارة الى ان قانون الضمان الاجتماعي رقم 1 لسنة 2014، والذي بدأت العاصفة غير الثلجية بسببه وذلك حين طالب حملة الجوازات المؤقتة بحقوقهم من الضمان، نص المادة (103) منه بان يحتفظ العمال بالحقوق المكتسبة لهم وفق اي انظمة او ترتيبات او اتفاقيات جماعية خاصة بمكافأة نهاية الخدمة.
ويتضح مما ورد أعلاه، ان القانون الاردني يقف الى جانب حملة الجوازات المؤقتة بما في ذلك أبناء قطاع غزة، وان مطالبهم بالتمسك بالحقوق المكتسبة التي حازوا عليها عبر السنين هي مطالب تجد اساساً لها في الدستور وفي القوانين والفقه الأردنيين، وبالتالي تصبح المناضلة على سند من اعتبارات السيادة خارج نطاق الدستور والقوانين النافذة مدعاة للشك والتساؤل، ولا يقبل ان تكون مقولة “السيادة” غطاءً لانتهاك الحقوق وسلب الحريات والمساس بحقوق الإنسان الأساسية.

* خبير في القانون الدولي.

Advertisements