الروائي إلياس خوري: أنا لا أحب فلسطين، أنا أحب الشعب الفلسطيني .. ولن أزورَها وهي محتلة!

الثقافة العربية أنهكها القمع واستولى عليها المال الخليجي … نحن نعيش زمن الحضيض
كما نحن نسعى للتعرف على ما يفكرون فيه .. على الإسرائيليين أن يستمعوا لروايتنا
يصدر خلال أيام العدد 11 من فصلية «أوراق فلسطينية» التي تصدر عن مؤسسة ياسر عرفات، ويتضمن مساهمات متعددة لكتاب من العالم العربي اضافة الى ترجمات فكرية وابداعية، كما يتضمن العدد ملفاً عن بدايات الثورة وشهادات للمؤسسين. في الملف الثقافي أجرت «أوراق فلسطينية» حواراً عميقاً ومطولاً مع الكاتب والمثقف الياس خوري، ننشر فيما يلي مقتطفات منه.
حاورته بديعة زيدان:

حين تقرر سفري إلى بيروت، وبالتحديد إلى حيث معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في دورته التاسعة والخمسين، ومنذ كنت في رام الله، وضعت نصب عينيّ أن أجري حواراً مع الروائي إلياس خوري، الذي كنت ألمس فلسطينيته الطاغية في كتاباته ومقابلاته، وأجد في موقفه ما هو متقدم على الكثير من الفلسطينيين.
ما إن وطأت قدماي أرض بيروت، حتى بدأت الاتصال بعدد من صديقاتي العاملات في وسائل إعلام لبنانية، أو عربية في لبنان، وتلقيت أكثر من وعد بالعثور على وسيلة اتصال به … في اليوم التالي لوصولي، توجهت إلى معرض الكتاب، وبينما كنت أتجول فيه، وأبحث عن عدة روايات، من بينها روايته الجديدة “أولاد الغيتو” أو “اسمي آدم” في زاوية دار الآداب، وإذ به هناك.
كان منهمكاً في ملاحقة طفل يتجول في المكان بعبثية ممتطياً الـ”سكيت بورد”، أعتقد أنه قد يكون حفيده .. كان مشغولاً بملاحقته، حتى عندما اقتحمت لحظته حينها، عرفته بنفسي، وأخبرته أنني أبحث عنه، فأخبرني، دون أن يغفل استراق النظر لمراقبة الطفل المشاكس، أن أسهل طرق للوصول إليه هي السؤال عنه في زاوية دار الآداب .. التقطت صورة “سيلفي” معه، واتفقنا على إجراء حوار، وزودني برقم هاتفه النقال، فكتبته على دفتر يرافقني، بعد أن طلب مني قراءة الرواية الجديدة، أو على أقل تقدير تصفحها لأخذ فكرة عنها، وهذا ما كان.
قبل مغادرتي بيروت بيوم، توجهت للقائه في مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بناء على رغبته .. حين وصلت إلى مكتبه، وجدت أمامه “غلاية قهوة” مغطاه بطبق صغير .. وبينما كان منهمكاً بإنهاء عمل ما على كمبيوتره، طلب من أحد العاملين في المركز أن يصب لي فنجان قهوة من ذات الغلاية، فكنت سعيدة بأنه قاسمني قهوته الخاصة، والمعدة سلفاً، قبل أن نتقاسم أطراف الكلام.
وللحديث بقية في حكايتي مع إلياس خوري، الذي كان مهتماً بنشر الحوار في جريدة فلسطينية، إضافة إلى نشره بالأساس في فصلية “أوراق فلسطينية” الصادرة عن مؤسسة ياسر عرفات، خاصة حين علم أنني أكتب في جريدة “الأيام” أيضاً، ولكن …
كان اكتشافاً سيئاً ومحبطاً، حين قررت تفريغ الحوار، حيث اكتشفت أن تحديثاً أوتوماتيكياً على هاتفي النقال، تسبب في فقدان جزء منه .. بقيت مكتئبة لساعات، حتى أنني بكيت .. إنه من أهم الحوارات التي أجريتها .. إنه الحوار الحلم منذ كنت في رام الله، وحتى خروجي من بيروت، مسلحة بكلماته المدهشة عن الشعب الفلسطيني، وبحميمية كبيرة، ولعل هذا ما جعلني أتماسك من جديد، وأشحن ذاكرتي، التي تفاجأت بأنها استطاعت، على عكس العادة، تذكر الكثير من تفاصيل الحوار المفقودة … مع إلياس خوري، الذي تواصلت معه مجدداً، وأرسلت له ما أسعفتني ذاكرتي فيه، ليزيد أو يقص أو ينقح، كان الحوار التالي:
قلت مؤخراً في مقال لك أننا نعيش زمن الحضيض .. لن أخالفك الرأي، لكن السؤال يبقى ما هو دور المثقف عموماً، والروائي على وجه الخصوص في زمن الحضيض، هذا إن كان له دور بالأساس؟
نعم، نحن في زمن الحضيض، فما يجري حولنا، وخاصة في الشرق الأوسط، يؤكد ذلك .. لقد كانت بعض العواصم العربية منارات للثقافة على المستوى العالمي، وخاصة بغداد، والقاهرة، وبيروت، ودمشق .. ويكفي أن ننظر ما حلّ ويحلّ بهذه العواصم لنتأكد مما وصلنا إليه .. هناك حالة من العنف الوحشي تجتاح الوطن العربي، فبلادنا صارت ساحات صراع بين همجيات متعددة، وشعوب هذه المنطقة تعيش حالة غير مسبوقة من الذل والهوان.
ما يعنيني، في جوابي على سؤالك، هو دوري أنا، وما أقوم به … بالنسبة لي أحاول أن أقاوم هذا الانهيار، من خلال كتاباتي سواء على مستوى الرواية، أو المقال، وسأواصل هذه المقاومة الكتابية ما بقيت حيّاً .. ليس عليّ أن أنتظر ما يقوم به الآخرون .. أنا أقوم بما أراه واجباً عليّ في مثل هذا الزمن، فها هو الشعب الفلسطيني يقاوم وحده دون مساندة من أي أحد، فالجميع تركه في الميدان يعارك الاحتلال وحده.
هل نحن فعلاً نعيش حالة غيبوبة ثقافية؟
علينا ألا نكون متشائمين إلى هذا الحد، هناك من لا يزال يحاول ألا نصل إلى هذه الحالة، مع أنني أقر أننا الآن، نعيش واقعا وجدت فيه الثقافة العربية الديموقراطية والعلمانية نفسها مطرودة من المعادلة، خاصة مع انهيار الاحزاب الشيوعية واليسارية العربية، حيث فرغت الساحة وصارت ملعبا لسلطتين متخاصمتين ومتواطئتين: الديكتاتور ومعارضته الأصولية.
لكن المفاجأة جاءت من حيث كان على الثقافة العربية، التي انهكها القمع واستولى على منابرها المال الخليجي، ان تستعيد نفسها، خاصة بعد أن اعتقدت هذه الممالك أنها بأموالها تستطيع أن تكون عواصم ثقافية، في ظل التوترات الحاصلة في العواصم الثقافية الأصيلة، وأبرزها بغداد، والقاهرة، وبيروت، ودمشق، كما أسلفت.
رغم ما نعيشه من وضع سبق أن وصفناه بالحضيض، إلا أن المثقف الحر لا يزال يحقق حضوره في المشهد، حيث استطاع عدد كبير من الكتاب والشعراء والروائيين خاصة الشباب منهم صياغة عوالم خاصة بهم، تؤسس لواقع ثقافي أفضل مما نعايشه على ساحات المعارك الحربية والسياسية والفكرية.

لا أحب فلسطين .. أحب شعبها
علّمت جيلاً أكمل في لبنان والوطن العربي حب فلسطين في «باب الشمس»، و»مملكة الغرباء»، و»غاندي الصغير» .. حتى أن البعض يصفك بإلياس الفلسطيني .. ما كل هذا الحب؟
أنا لا أحب فلسطين ! … فأغلب الذين أحبوا فلسطين أو ادعوا حبها قاموا بقتلها. يحبون فيها الاسطورة والوهم، ويطردون شعبها من وعيهم. انظري إلى الغزوات الهمجية التي جاءتنا باسم حب فلسطين من الفرنجة الصليبيين إلى الصهاينة … الفرنجة جاؤوا من أجل «الأرض المقدسة» مثلما ادعوا، واليهود الصهاينة جاؤوا باسم «أرض الميعاد»، وماذا كانت النتيجة، حروب وإبادات ومذابح وتهجير للشعب الذي يقيم فوق الأرض. هذه الأرض تقدست بدماء الناس، وهي ليست أرض ميعاد، بل هي موعد شعبها مع الحرية. وفي هذا الزمن العربي، تأملوا ماذا فعلت بفلسطين الأنظمة الاستبدادية العربية، يتغنون بحبهم لفلسطين ويقتلون اللاجئين الفلسطينيين من تل الزعتر إلى اليرموك.
أنا لا أحب فلسطين، هذه الفلسطين التي يحاول بعض العرب والفلسطينيين أسطرتها على غرار ما قام بها الغزاة لا تعنيني في شيء. أنا أحب الشعب الفلسطيني، هذا الشعب الذي ظُلم في كل مكان، حتى هنا في بيروت، أنا منحاز لهذا الشعب، وليس إلى فلسطين الجغرافيا، التي يتغنى بها الجميع، بل ويتاجرون بقضيتها .. الجميع يحب فلسطين، أما أنا فأحب الشعب الفلسطيني.وإذا كنت أحب الأرض وزيتها وزيتونها فلأن الزيت الذي يضيء فلسطين هو عيون أطفالها.
لعل من الحب ما قتل، فإجراؤك حواراً مع صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، أثار موجة عاصفة ضدك، حتى إن البعض لم يقتنع بمبررات أنك هاجمت العدو في إعلامه، بل إن البعض وصف هذا الهجوم كمن «يخانق حبيبته في غرفة نومها» .. ما ظروف هذا الحوار، وهل ترى أن الهجوم عليك مُبرَّر؟
مقتنع تماماً بما فعلت، ولا أراها جريمة، ولينتقدني من ينتقدني، ومن أراد الهجوم عليّ فليفعل .. أنا أرى أنه من المهم أن يتعرف الإسرائيلي على روايتنا نحن، ولذلك، لم أتردد في إجراء الحوار، لأنني قلت ما أريد قوله، بل إنني رحبت سابقاً، وأرحب بترجمة أي من أعمالي إلى العبرية.
ما أريده أن تصل روايتي لهم، فعوام الإسرائيليين مغيبون عن روايتنا، فكثير منهم يعتقدون أن الفلسطينيين، كما غرس في أذهانهم، تركوا منازلهم بمحض إرادتهم .. ويكفيني أن رواياتي التي تناقش الهم الفلسطيني تناقض مقولات تروج الصهيونية لها، ويتبناها المتطرفون، ففي “باب الشمس”، و”يالو”، وحتى في روايتي الأخيرة “باب الغيتو: اسمي آدم”، أرصد المجازر التي ارتكبها الصهاينة بحق أصحاب الأرض الأصليين أي الفلسطينيين، وترجمة هذا، وهذا ما قلته في الحوار أيضاً، كفيل بأن يعرف ولو شريحة منهم برواية مغايرة للسائد لديهم.
وكما نقوم بترجمة كتاباتهم في الصحافة، والدراسات الإسرائيلية المتعددة، بل وننشئ مراكز متخصصة في ذلك، بهدف التعرف على ما يقولون، وكيف يفكرون، أرى أنه من المهم أن يتعرفوا على روايتنا، ومقولاتنا، لعلها تصحح شيئاً من الأخطاء الكارثية في رواياتهم حول مفاصل تاريخية مهمة، وخاصة النكبة، وما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
ثم إنه ليس كل الإسرائيليين سواء، فهناك، ولو كانوا قلة، من يناصرون الشعب الفلسطيني، سواء على الميدان، حيث نرى العديد منهم يتظاهر إلى جانب الفلسطينيين، أو في مجالات الإبداع الأكاديمي، أو الروائي، أو السينمائي، أو الإعلامي.
صحيح .. البعض اتهمك بالتطبيع بعد هذا الحوار .. وهي التهمة الجاهزة لكل من يزور فلسطين .. كيف تنظر إلى التطبيع، وهل أنت على استعداد لزيارة فلسطين لو وجهت لك الدعوة لمثل هذه الزيارة؟
لا .. لن أزور فلسطين ما دامت تحت الاحتلال، سأزورها، لو كتب لي، عندما تتحرر .. لا أريد إذناً، ولا أقبله، لأزور فلسطين، ولا أريد أن يدمغ جواز سفري بختم إسرائيلي.. هذا موقف مبدئي بالنسبة لي، بغض النظر عما يقوله الآخرون حول التطبيع وغيره.
من ناحية ثانية أنا مؤيد للـ ( BDS) .. أنا مع المقاطعة، لكنني أكرر هنا أن المقاطعة يجب ألا تشمل الأفراد أو الإعلام.

ليست انتفاضة سكاكين
لم تغب الهبة الجماهيرية الفلسطينية المتواصلة منذ شهرين عن كتاباتك، ففي مقالك ليس دفاعاً عن السكاكين، وصفت إسرائيل بالعمياء .. ولكن كيف تنظر بعين الإعلامي وبعين الروائي ما يحدث في فلسطين الآن .. وماذا عن سكاكين الرعب والذريعة في آن ..؟
إسرائيل مصابة بالعماء، لا شك في ذلك، وقلتها مراراً، فهي لا تريد أن ترى، وهذا العماء هو جزء تكويني من الرؤية الصهيونية لفلسطين … المسألة ليست السكاكين، التي انتهت إلى إلصاق تهمة السكاكين بالضحايا الفلسطينيات والفلسطينيين حتى لو لم يحملوها، وتحولت إلى قتل لليهود الشرقيين من ذوي الملامح العربية، بل المسألة تكمن في المرض الصهيوني، الذي هو أحد أصول بلاء المنطقة بالانحطاط والأصولية، وهو مرض لا علاج له.
قلتها، وأكررها، الصهيوني مريض مدجج بالسلاح النووي ويصرخ خوفاً من رماة الحجارة .. معتوه يحتل بلاد الآخرين، وهو يحمل يقيناً دينياً بأن هذه الأرض بما عليها من زرع وضرع وبيوت، هي ملك له، ورثها عن كتاب عتيق، فسّره بصفته مسوغاً للجريمة، ودليلاً للقتل.
جاءت هذه الهبّة الشعبية الفلسطينية الكبرى تعبيراً عن نهاية مرحلة الاستسلام  … هذه الهبّة ليست دفاعاً عن القدس أو الأقصى فقط، بل هي دفاع عن كل الأرض المحتلة، فالذي اجتاح دوما بالنار وأحرق أفراد عائلة الدوابشة وهم نائمون في منزلهم، أعلن أن اللغة الوحيدة التي يعرف أن يخاطب بها الفلسطينيين هي لغة النار.
هذه ليست انتفاضة سكاكين، مثلما يُشاع، فالسكاكين لا تستطيع أن تكون بديلا عن سلاح التنظيم الشعبي، انها يقظة وعي وكرامة بدأت بأفراد أرادوا التعبير عن غضبهم، وأعلنوا أن الضحية تستطيع أن تدافع عن نفسها حتى في لحظة موتها… انها هبّة كل فلسطين، وهدفها ليس الوصول إلى تسوية مع من لا يريد تسوية، ومن الحمق الكلام معه عن تسوية، بل هدفها استعادة فكرة فلسطين، بصفتها فكرة حق وعدالة وحرية.
نحن الآن نعيش ما يمكن وصفه بالرواية الجديدة .. والروائيون الجدد في العالم العربي باتوا نجوماً، ولهم قوالب تختلف عن جيل الرواد إن جاز التعبير .. كيف تنظر إلى الإبداعات الروائية الشبابية عربياً، ومن يلفت من الروائيين العرب والفلسطينيين الشباب؟ .. وكيف يمكنك جذب الشباب الذين هم النسبة الأكبر في مجتمعاتنا الفتية؟
حين أكتب عملاً روائياً، لا أفكر بأعمار قارئيّ، فأنا أكتب ما أريد، وما أفكر فيه، وأصيغه بطريقتي بغض النظر عن أعمار القراء.. ليس ثمة خلطة ما، ولا يعنيني جذب جيل من القراء بعينه .. أكتب منذ زمن طويل، ولرواياتي جمهور من مختلف الأجيال، والأهم أنني أكتب نفسي.
فيما يتعلق بالجيل الجديد من الروائيين، فيلفتني جيل جديد في فلسطين من كتاب الرواية، ومن بينهم أكرم مسلم، الذي لفتتني طريقته في الكتابة، فهو يكتب بأسلوب لافت ومتميز، وكذلك عدنية شبلي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s